فلسطين أون لاين

خبير اقتصادي لـ"فلسطين أون لاين": الاحتلال يتسبب بها لأهداف سياسية

خاص سوق بلا سيولة.. معاناة يومية للغزيين تحت وطأة "أزمة مفتعلة"

...
مواطن يصلح أوراق مالية مهترئة في غزة جراء نقص السيولة
غزة/ نبيل سنونو

أمام فرش لبيع الخضار وسط مدينة غزة، كان المسن محمد عنان ينتقي قرون الفلفل الأخضر رغم علمه بأن عملية الشراء قد تفشل في نهاية المطاف بسبب عدم توفر السيولة النقدية.

لكن هذا المشهد يفرض نفسه يوميا على حياة الرجل الستيني، ولا مفر أمامه من أن يصارع تفاصيله في محاولة لتلبية احتياجات أسرته، وسط أزمة ممتدة يؤكد اقتصاديون أنها ذات أبعاد سياسية يفتعلها الاحتلال منذ بدء حرب الإبادة الجماعية.

وتستمر الأزمة في شهر رمضان المبارك، في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة إلى معدلات قياسية كأحد تداعيات الحرب.

يقول عنان لـ "فلسطين أون لاين": هذه أزمة شاملة لا تقتصر على فئة معينة من المجتمع فقط بل تؤثر على جميع الغزيين، وعلى مشترياتهم.

وعن معاناته اليومية، يوضح أنه قد يضطر إلى شراء ما يفوق احتياجه وذلك لعدم توفر سيولة يعيدها إليه البائعون، ما يستنزف ميزانيته في ظل الوضع المعيشي القاسي الذي خلفته الحرب.

ويضيف: مثلا يحدث أن أشتري طماطم بـ30 شيقلا وأدفع 40 شيقلا فيقول البائع إنه لا يملك 10 شواقل نقدا لإعادتها، فأضطر للشراء بها أيضا، أو قد أرغب في شراء طبق من الحمص فيقول لي البائع إنه لا يملك نقودا لإرجاعها لي.

وتمتد الأزمة أيضا إلى العملة الورقية التي اهترأ معظمها ويواجه المواطنون صعوبة في تداولها. يقول عنان: إما تكون ممزقة أو مثقوبة أو ما شابه.

ويشتكي من تأثير ذلك عليه وعلى أسرته، مبينا أنه يملك حسابا بنكيا ومحفظة إلكترونية لكن هناك الكثير من الخدمات أو السلع التي تتطلب "الكاش" مثل سيارات الأجرة أو الخبز.

خسارة 60% من البيع

في شارع عمر المختار بغزة، يخبز الشاب تيسير الغزالي حلوى القطايف في موسم لطالما انتظره لتحقيق بعض الربح، لكنه يقول إن الأزمة المالية تؤثر سلبا في عمليات البيع.

5843958422972337229.jpg

ويضيف الغزالي (23 عاما) لـ"فلسطين أون لاين": هناك صعوبة في التعامل بالعملة المهترئة والمثقوبة في وقت نشهد شحا في "الفكة" وهذا يؤثر على عملنا.

ورغم لجوئه إلى البيع في أغلب الحالات عبر الحساب البنكي والمحفظة الإلكترونية فإنه يوضح أن وسائل الدفع الإلكتروني عرضة للتجميد لأسباب مختلفة كما أن المشترين كثيرا ما يواجهون مشكلات فنية مع الإنترنت.

وأمام هذا الواقع، يؤكد الغزالي أنه يخسر نحو 60% من البيع اليومي في مثل هذا الموسم بشهر رمضان، مطالبا اللجنة الوطنية لإدارة غزة بحل الأزمة وتوفير السيولة النقدية.

على فرش في الشارع ذاته، يبيع نصرالله نصرالله المخللات وهي مهنة لجأ إليها قبل شهر عندما أغلقت مؤسسة كان يعمل فيها محاسبا أبوابها بفعل تداعيات الحرب.

لكن نصرالله يشتكي أيضا لـ"فلسطين أون لاين" من فشل الكثير من عمليات البيع، قائلا: يعطينا المشتري 50 شيقلا مثلا ولا يتوفر لدينا سيولة لنعيد له بقية ماله، أو لا يقبل بالأوراق المالية المتوفرة.

ويعني ذلك خسارة نصف البيع المفترض يوميا -كما يقول البائع- مشيرا فيما يتعلق بالبيع عبر الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية أن هناك مشكلات تتعلق بالإنترنت كما أن كثيرا من المواطنين لا يملكون وسائل الدفع الإلكتروني.

اقرأ أيضًا: الدَّفع الإلكترونيِّ بغزَّة... أمل اقتصاديّ في وجود أزمة النَّقد

ويرى أن هذه الأزمة تعود إلى "سياسة ممنهجة من قبل الاحتلال"، حاثا على التعامل بالنقود الحالية إلى حين تمكن لجنة إدارة غزة من استبدالها.

5843958422972337227.jpg

وتنعكس الأزمة ذاتها على القدرة الشرائية لأصناف أساسية بالخضار. ويصف البائع حسام الشنطي مشكلة السيولة بأنها صعبة جدا.

ويقول الشنطي لـ"فلسطين أون لاين": عملية البيع تتم بدون فكة بمعنى أن يشتري بـ20 أو 50 شيقلا كاملة أو عبر التطبيق البنكي فقط، وبناء على ذلك نخسر الكثير من عمليات البيع يوميا.

اقرأ أيضًا: "الاقتصاد" لـ"فلسطين أون لاين": ننفذ حملة لمواجهة رفض التعامل النقدي ونكثف ضبط الأسواق بغزة

ويرجع الشنطي أيضا الأزمة للاحتلال، مطالبا في الوقت نفسه البنوك بأن تستبدل العملة المتداولة حاليا بأخرى جديدة

مشكلة سياسية

ومنذ أكثر من عامين تتفاقم أزمة السيولة مع خروج عدد من النقد التالف يوما بعد يوم من الخدمة وفقدان الثقة بالعملة المهترئة والتالفة، والحديث هنا للخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر.

ويقول أبو قمر لـ"فلسطين أون لاين": مع سريان اتفاق وقف الحرب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استبشر المواطنون خيرا بأن تكون هناك حلول لأزمة السيولة، لكن لم يحدث ذلك.

iTbev.jpg

الخبير الاقتصادي، أحمد أبو قمر

ويوضح أنه رغم تشكيل لجنة لإدارة غزة منذ أسابيع فإن أزمة النقد لا تزال قائمة ما يدلل على أنها مشكلة سياسية وليست اقتصادية من الدرجة الأولى.

ويتابع: الاحتلال يفتعل هذه الأزمة في سبيل تجميد الكاش بشكل كامل من قطاع غزة والتحول نحو الأنظمة المصرفية وأخيرا كان هناك حديث عن عملة رقمية وهذا كله يزيد من آليات التحكم والسيطرة من قبل الاحتلال أو الحلفاء فيما يتعلق بمجلس السلام وغيره.

ويؤكد أبو قمر أن المطلوب هو الإبقاء على النظامين معا: الدفع الالكتروني والكاش، إذ لا يمكن لأي نظام أن يلغي الآخر خصوصا في بيئة مثل غزة لا تتوفر فيها الثقافة المالية والبيئة التكنولوجية المطلوبة.

ويحذر من "أهداف خبيثة" لإلغاء الكاش، يتخوف منها الاقتصاديون الذين يتطلعون إلى دور أكبر للجنة إدارة غزة في حل هذه الإشكالية بالشراكة مع سلطة النقد.

ويشير إلى أن سلطة النقد هي الناظم لبيئة النقد والأنظمة المصرفية وفق بروتوكول باريس الاقتصادي "وللأسف لأكثر من عامين ونصف غيبت سلطة النقد بقرار واضح دون أي حلول أو بيانات تصدر عنها مما يؤكد أن تغييبها مفتعل من الجانب الإسرائيلي".

وفي انتظار وجود حلول جذرية لأزمة السيولة النقدية في غزة، يبقى المواطنون تحت وطأة معاناة يومية تضع ملحا فوق جرحهم.

المصدر / فلسطين أون لاين